• Arwa Hanin Elrayess

الأسباب العلمية وراء تصرفات المراهقين بما فيها الاكتئاب، مشاكل في النوم و الجدل المستمر




ترجمة براء أبو عمشة


على الرغم من أنّ جائحة فايروس كورونا قد جردتنا من امتيازات عديدة كنا نراها من البديهيات فيما سبق, إلا أنها على الأقل, أعطتنا فرصة لمراجعة أنفسنا, وهو أمرٌ كنا بأمس الحاجة إليه. ولم تقتصر الشهور المنصرمة على تسليط الضوء على حكومات لا يمكن الاعتماد عليها, وأنظمة صحية غير مستقرة, وشعوب تفتقر لحس المسؤولية, بل إنها كشفت كذلك مدى هشاشة العقل البشري فعلياً. وقد كانت الشهور القليلة التي أمضاها العالم تحت الحظر ذات أثر وخيمٍ على صحة الناس العقلية. بالإضافة إلى ذلك, فقد حذر الخبراء من أنّ الأثر سيكون ذا وقعٍ أشد على أولئك الذين يعانون من اضطرابات في صحتهم العقلية من الأساس, أو الذين يقعون في ظل ظروف مادية غير مستقرة, وليس مفاجئاً أن يضاف المراهقون لهاتين الفئتين. إنّ القلقَ, والاكتئابَ, والتوتر تحدياتٌ شائعةٌ نعاني منها نحن المراهقون حول العالم على صعيدٍ يومي؛ ولم تسهم هذه الجائحة بالتأكيد في تذليل هذه التحديات وتسهيل التعامل معها. لذلك, أنوي في هذا الفيديو أن أسلط الضوءَ بعيداً عن المواضيع السياسية المتقدة, بهدف التركيز على مشكلة تفاقمت على مدى العقود الأخيرة المنصرمة وباتت خارجة عن السيطرة وهي: تدهور الصحة العقلية عند المراهقين. وقد طلبت من أصدقائي أن يرسلوا لي أسئلةً عن صعوبات يواجهونها دون أن يجدوا السبب الكامن وراءها, على أمل أن أستطيع الوصول إلى تفسير علمي يمحي غموضها؛ وذلك لأنه, أحياناً, سيؤدي فهم السبب الذي يدفع أجسامنا لإبداء ردودِ فعلٍ معينة إلى مساعدتنا على التعامل مع عواطفنا, وذلك من خلال طمأنتنا أنّ ما نشعر به خارجٌ عن سيطرتنا.


حتى قبل الجائحة, كان الكثير من صديقاتي يشعرن بالإحباط والقلق, على نحو يفوق أصدقائي الذكور. فما هو سبب ذلك؟

لقد كانت عملية البحث في هذا الموضوع أمراً مثيراً للاهتمام, إذ إنني اكتشفت أن ارتفاع معدلات الاكتئاب لدى الإناث المراهقات ليس مجرد تخمين؛ وإنما حقيقةٌ مثبتة. إن فرصة تعرض الفتيات لفترات تتدهور فيها الصحة العقلية أكبر من فرصة تعرض الفتيان للأمر نفسه بمرتين, ويرجع الكثيرون هذا الأمر إلى عواقب العيش في المجتمع المعاصر. اليوم, تمضي الفتيات المراهقات وقتاً أطول من الفتيان على منصات التواصل الاجتماعي التي تشتهر بتضمنها مجموعةً من الايديولوجيات والصيحات تحفز نشوء القلق في النفس. ففي العديد من الحالات, يقدم المراهقون الراغبون في تحصيل المتابعين على منصات التواصل هذه, على المشاركة في نشاطات, ليس بدافع الرغبة, وإنما يقيناً منهم بأنّ ذلك سيجذب القدر الأكبر من الاهتمام نحوهم.

وهذا بدوره يحفز نشوء شعورٍ بانعدام الأمان, يمكن أن يؤدي إلى التوتر أو إحساس عام بغياب السعادة؛ إلا أنّ هذا كله لا يكفي لتفسير انتشار الاكتئاب بين الفتيات اللواتي ابتعدن عن تبني هذه العادات, غير الصحية, القادمة من مواقع التواصل الاجتماعي. وبهدف الوصول إلى السبب العلمي العميق الذي يفسر هذه الظاهرة, لا بدّ أنْ نفهم أولاً أن لنشوء الاكتئاب عواملٌ لا تقتصر على الظروف الحياتية. فالغالب هو أنّ فترات غياب السعادة التي نعاني منها تبدأ دون أي سبب على الإطلاق, إذ يؤمن علماء بارزون أن الدور الذي تلعبه أجسامنا في نشأة الاضطرابات العقلية يفوق دور الظروف البيئية بدرجة كبيرة.

وبالتحديد, يشك خبراءٌ بوجود نواقلَ عصبية معيبة أو غير فعالة, تكون السبب المحرك للعديد من الأمراض النفسية.

ولكن, ما هي النواقل العصبية؟

النواقل العصبية تمثل الرسائل التي تتبادلها خلايانا العصبية. وهي شكل من أشكال التواصل الخلوي, يحكم كل شيء في حياتنا, بدءاً من قدرتنا على النوم وصولاً إلى مزاجنا اليومي. وتملي هذه النواقل على أجسامنا كيفية التعامل مع المواقف المثيرة للتوتر, بالإضافة إلى حجم الإرادة التي تحركنا نحو الإنجاز, فضلاً عن قابليتنا لاختبار مشاعر السعادة والرضا. ومن الواضح أنه, في حال عانى الجسم من عوزٍ في نواقلَ عصبية معينة, فإن ذلك سيضع الشخص المصاب في حالة ضعف تجرد وظائفه الجسمية المسؤولة عن السعادة والرضا من فاعليتها, الأمرُ الذي يؤدي إلى الشعور بالقلق, والمعاناة من صعوبة في التركيز, والنوم غير الكافي, مع تقلبات مزاجية لا يمكن التحكم فيها. ويكتسب هذا الأمر أهميته من كون أحد النواقل العصبية المسؤول عن سعادتنا وهو السيروتونين, يخضع لتأثير مستويات هرمون الإستروجين في جسم الأنثى لدرجة كبيرة, وتشهد مستويات هذا الهرمون ارتفاعاً سريعاً في سني المراهقة. يظهر الرسم البياني في الأسفل كيفية تأثير إنتاج الإستروجين على معدلات الاكتئاب التي تشهدها حياة الأنثى. خلال الطفولة, حينما تكون مستويات الإستروجين منخفضة, تحذو معدلات الاكتئاب حذوها. إلا أنه خلال مرحلة البلوغ وسني الزواج, تثب مستويات الإستروجين عالياً ومعها تتواتر حالات الاكتئاب.



علماً بأن أجسام الذكور تنتج الإستروجين أيضاً, ولكن بكمية أقل. في حين تنتج أجسامهم كميات كبيرة من هرمون التيستوستيرون خلال مرحلة البلوغ, دون أن يكون له أي تأثير على معدلات الاكتئاب. ومن المحتمل أن تقدم مجموعة العوامل التي ذكرت سابقاً تفسيراً لتعرض الإناث إلى نوبات متكررة من الاكتئاب خلال مرحلة البلوغ, وحتى بعدها, على نحوٍ يفوق نظائرهن من الذكور.


لماذا يشيع أن نختلف مع والدينا خلال مرحلة المراهقة؟ هل نتمرد بدافع التمرد فقط, أم أن هناك تفسيراً علمياً وراء هذا السلوك؟



لعل أبرز التطورات التي تشهدها أنفسنا خلال مرحلة المراهقة هي السعي لتوطيد هواياتنا.

وخلال هذه المرحلة من حياتنا نبدأ بتخفيف اعتمادنا على ذوينا, وعوضاً عن ذلك نجد أننا توجهنا لإمضاء مزيدٍ من الوقت مع الأصدقاء وغير ذلك من الملتقيات الاجتماعية.

إلا أنّ ذلك, في الواقع, طبيعي. ففي حال لم نعمل على تحقيق نوعٍ من التحرر من العلاقات المبنية على اعتمادنا على الأهل, فإن ذلك سيؤدي إلى فقداننا القدرة على الانفصال عنهم في المستقبل حينما نعزم على إنشاء عائلاتنا الخاصة. وبرغم كون هذه العملية بالغة الأهمية في مسيرتنا نحو النضوج, إلا أنها غالباً ما تؤدي إلى نشوء سلسلة من سوء التفاهم والنزاع. والسبب في ذلك أنّ التغيرات الملحوظة التي تشهدها شخصيتنا في هذه المرحلة, ستترافق مع بدء تبني القيم والآراء الحياتية من قبل المراهق, والتي من الممكن أن تتعارض أحياناً بدورها مع تلك التي يتبناها الوالدان. وعلى الرغم من أنّ كثيراً من المراهقين يميلون للوم الوالدين على هذه الخلافات المتكررة, إلا أنه إنّ حللنا الموضوع من منظور واقعي, سنجد أن عقلية المراهق هي عادةً الملوم الرئيسي. خلال سني المراهقة, تبدأ منطقة من الدماغ بالنضوج, تدعى القشرة أمام الجبهية, وإن هذه المنطقة مسؤولة عن التنسيق المعزز لفعاليات الجسم, بالإضافة إلى القدرة على الفهم والاستيعاب وتغيرات الشخصية, الأمرُ الذي يفسر اندفاع المراهقين المفاجئ للتحرر من طباعهم الطفولية. إلا أنه, خلال المراهقة, لا تكون القشرة أمام الجبهية مكتملة النضج لدرجةٍ تجعلنا نعتمد عليها بشكل كلي, وهذا ما يعني أننا سنعتمد أيضاً على بنية تدعى اللوزة. وخلافاً للقشرة أمام الجبهة, تكون علاقة اللوزة بتوليد العواطف, والنبضات العصبية, والسلوك الغريزي والعدواني, مباشرةً وتعد هذه البنية منطقة الدماغ الأكثر استخدماً أثناء الطفولة. ومن ثمّ, نجد أنّنا المراهقون خلال تطورنا العقلي, مدفوعون من قبل القشرة أمام الجبهية للتعبيرعن آرائنا وإثبات استقلاليتنا وفكرنا الإبداعي, إلا أنّ اللوزة تجبرنا على التعبيرعن هذه الأفكار بأسلوب انفعالي- الأمرُ الذي يؤدي عادةً إلى تحريك نوبات الغضب أو الإصرار على الجدل, علماً بأن هذه الأمورهي المسؤولة عن سوء سمعة المراهقين.


لماذا يختلف روتين النوم لدي عن ذاك الذي لدى أقربائي الأصغر ووالديَّ؟ لماذا أعاني دائماً من صعوبة في النوم؟؟


لطالما كانت مسألة النوم عند المراهقين مبعثاً للجدل. طلية سنوات, نادى العلماء بضرورة تأخير فتح أبواب المدارس أمام الطلاب في سني المراهقة, زعماً منهم بأن تأخير بدء اليوم الدراسي, سيساعد في تحسين تركيزنا, وإنتاجيتنا الكلية.

والسبب في ذلك ليس أنّ المراهقين كثيرو التطلب, ولا يرغبون بالالتزام بموعد النوم الطبيعي؛ وإنما مراعاةً لشؤون تتعلق بساعاتنا الداخلية. في الحقيقة, النومُ محكومٌ بعمليتين: الأولى يحكمها جهاز التنظيم اليومي (والذي يحدد الوقت الأرجح من ضمن الأربع والعشرين ساعة الذي سينام الفرد ويستيقظ عنده بشكل طبيعي), والثانية محكومة من قبل السير الاستتبابي (التوازني) لعمليات الجسم ومنها النوم (وعمل هذه الآلية يحدده طول مدة استيقاظ الفرد) خلال مرحلة البلوغ, يعاد ضبط النظم اليومي في الجسم. إذ يتم إفراز هرمون الميلاتونين, الذي يعلم الجسم بالوقت على مدى اليوم, بعد ساعتين على الأقل من وقت إفرازه لدى الأطفال والناضجين. علماً بأنّ سبب هذه الظاهرة لا يزال غير واضح, إلا أنّ العلماء يتوقعون أنها نتيجةُ الإفراز المفاجئ لعدد من الهرمونات خلال مرحلة البلوغ, الأمرُ الذي يكبح إفراز الميلاتونين.

وعادة ما يشعر المراهقون بالنعاس في أوقات تتراوح بين الساعةالحادية عشرة ليلاً- والواحدة فجراً, وهذا ما يضع فرصة الخلود للنوم في وقت يتناسب مع الاستيقاظ لحضور الدوام المدرسي في الصباح, مع تحقيق 8 ساعات من النوم, في خانة شبه المستحيل عامةً.


وحينما نتلقى الضوء الأزرق من أجهزتنا الإلكترونية في وقت متأخر من الليل, نعطي إيحاءً لأجسامنا بأنّنا في بيئة خارجية يعمها الصباح, وهذا ما يؤدي إلىتأخير ساعاتنا الداخلية, الأمر الذي يسبب اضطرابات كالأرق.


وهذا ما يدفع خبراء الصحة لنصحنا بالامتناع عن استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل ساعتين من خلودنا إلى النوم على الأقل.


علماً بأنّ التعرض الكافي لضوء الصباح عند الاستيقاظ, والحدّ من النظر إلى الشاشات الإلكترونية قبل الخلود إلى الفراش, أمورٌ كفيلة بتعديل أوقات النوم الاستيقاظ بشكل طبيعي.


والمحصلة هي أن المراهقين يعانون, وسواءٌ كانت هذه المعاناة خفيقةً أم شديدة, إلا من اللازم ألّا يتم الاستخفاف بها. لأنّ أثرها فائق الأهمية على تطورنا, وكيفية التعامل مع هذه العقبات كفيلةٌ بإضفاء تعديلات ملحوظة على شخصياتنا أثناء نمونا.


إنّ مرحلة المراهقة شبيهةٌ بالجائحة التي نعيشها اليوم. فكلاهما سيشهد تناوباً بين السيء والجيد, إلا أنه وبحلول نهاية كل منهما, سنغدو أقوى مما كنا عليه في السابق.