• Arwa Hanin Elrayess

صعود وسقوط العبودية على مر التاريخ: تبسيط ماضي العبودية


ترجمة براء أبو عمشة

مما لا شكّ فيه أنّ العقل البشري استثنائي. إذْ كان له الفضل في مسيرةٍ امتدت عبر القرون, أوجدنا فيها إبداعات كانت تُرى ضرباً من المستحيل, وحررنا أفكاراً كانت فيما مضى محظورة, وحوّلنا أكثر الموارد شيوعاً إلى أدوات مفيدة ثورية. لدينا هِبةٌ تميّزنا عن بقية المخلوقات على الكرة الأرضية, إلا أنّ هذه الهبة قد أثبتت كذلك أنها في الوقت نفسه التهديدُ الأكثر حتمية. وقد شهد التاريخ أنّ عقولنا, حين نبذتْ قيم الإنسانية وامتلأت بالغطرسة والغرور, لم تكتف بالإقدام على أكثر العادات والتصرفات بغضاً, وإنما مضت قدماً لتبررها. والعبودية مثالٌ صارخٌ على ذلك. إن العبودية موضعُ لومٍ اليوم باعتبارها المحفز لما يشهده عصرنا من عنصرية, فلم تقد العنصرية إلى موت الملايين في الماضي وتعرضهم للتعذيب فحسب, بل امتد أثرها إلى حاضرنا متمثلاً بسوء المعاملة التي يتعرض لها الكثيرون, وقد ظهر ذلك جلياً في حادثة قتل جورج فلويد, وقبله الكثير من المدنيين الأبرياء مما لا يمكن إحصاؤه. وعلى الرغم من أن ذيول هذه المشكلة ذات أثرٍ عميقٍ على المجتمع المعاصر, إلا أنّ معرفتنا العامة بها تقتصر على تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي, علماً بأنّ تاريخها يمتد آلاف السنين قبل ذلك. يتفق معظم المؤرخين أن ظهور العبودية بدأ حينما تخلى البشر عن عيش حياتهم وفق نمط ’الصيد وجمع الثمار‘ واستقرارهم بصورة حضارات. يعود أصلُ أقدمِ وثيقةِ عبودية إلى حضارة بلاد الرافدين (وهي الحضارة الأولى في تاريخ البشرية), وتزعم هذه الوثيقة أن العبودية كانت قانوناً شائعاً منذ عام 1860 قبل الميلاد, على الأقل. لا يتوفر إلا القليل من المعلومات عن الظروف التي عاشها العبيد في تلك الحقبة وطبيعة المعاملة التي لاقوها. إلا أنّ اليونانيين القدماء, من ناحية أخرى, كانوا قد بدأوا قبل عدة قرون, أي حوالي عام 1600 قبل الميلاد, بتسجيل معلومات تتعلق بمؤسساتهم الاستعبادية, ونواحٍ عديدة عنها, مما أتاح لنا الوصول إلى تصور واضحٍ عن كيفية عملها.

والغالب ُ أنّ هذه المرونة النسبية في التعامل مع العبيد في اليونان, نبعت من حقيقة مفادها أنْ لا أحدَ في اليونان, بغضِ النظرِ عن ثروته, وحالته الاجتماعية, وقوته, في مأمن تامٍ من أن يصبح عبداً يوماً ما. وغالباً ما كانت المدن اليونانية في حالةِ حربٍ مع بعضها. وفي حال كنتَ في مدينةٍ تعرضتْ للنهب, فهناك فرصة كبيرة أنّكَ وأحباؤك, سيتم استعبادكم. ومن ثمّ, كان الأخذ بهذه المبادئ في معاملة العبيد بمثابة شبكة أمان تقي الجميع. وبالإضافة إلى ذلك, كانت احتمالية تحوّل المرءِ لعبدٍ في اليونان القديمة مدعاةً لقلق كبير لدى الناس, إذْ آمن اليونانيون أنّ آلهتم ستنزع ’نصف الخير من المرء‘ يومَ يصبح عبداً, ومن ثمّ, خوفاً من انحدار المرتبة في الحياة الآخرة, بدأ اليونانيون بأخذ هذا النظام بجدية تامة.

وبعد القرن الثالث قبل الميلاد, طرأ على العبودية تحولٌ طفيف تمثل بإقدام العديد من الأباطرة اليوانيين على رفض ممارستها, وحتى إنهم أقدموا على إعتاق العديد من المدن التي كانت مستعبدةً فيما سبق.

وخلال الحقبة نفسها, أسست مصر القديمة لمفهوم العبودية. بما يشبه ذاك عند اليونانيين, إذ اختلفت معاملتهم للعبيد اعتماداً على وظيفة كل عبد, إلا أنه بشكل عام, كانت حياة العبيد عندهم مليئة بصعوبات وصدمات لا يمكن تخيلها. وقد كان الظلم الذي قاساه شعب مصر,في ذلك الوقت, وحشياً لدرجة نشرت الإيمان بأن الله قد أرسل النبي موسى, في حوالي عام 1290 قبل الميلاد, ليحرر الشعب من قبضة فرعون, لتكون بذلك أول نموذجٍ تم تسجيله يتضمن حركة تحريرالعبيد على نطاق واسع. وعلى الرغم من ذلك, ظلّت العبودية حاضرةً في مصر القديمة, وامتد وجودها إلى الحقبة المعاصرة, إلى أنْ تم إلغاؤها بالكامل عام 1904.

أسوةً بباقي الحضارات القديمة, سخّر الرومانيون العبيد في المقام الأول لتلبية حاجة إمبراطوريتهم للتطور. وغالباً كان العبيد الذين احتُفظ بهم, أناساً من أسرى الحروب, وما لم يوظف العبد في العمل في المناجم, أو الحقول, أو في الكولسيوم (المدرجات الرومانية), كان بمقدوره عيش حياةٍ كريمةٍ عادةً. وكمَثَلِ الحال في اليونان, لم يجرد العبيد الرومانيون من كل حقوقهم الإنسانية, برغم اعتبارهم جزءاً ’من ملكية المرء‘, وكان من الممكن أنْ يوظف العبيد في الصناعات التي كانوا يجيدونها, مع إتاحة فرصة توفير المال من هذا العمل الإضافي, ليقدم العبد بعد ذلك على شراء حريته.

في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد, بدأت فلسفة الرِواقِية ببناء زخمها. إذ كان الرواقيون ذوي إيمان راسخٍ بقوانين الطبيعة, واتفقوا على أنه ’ليس من الممكن أن يكون الإنسان عبداً بطبيعته‘ وأنّ كلّ إنسانٍ جدير بالاحترام. وقد انتشرت آراؤهم المتقدمة عن الإنسانية في كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية وبعد عدة ثورات قام بها العبيد, بدأ الأباطرة الرومانيون بمنح المزيد من الحقوق والحماية القانوية لهم. حيثُ منح الإمبراطورُ نيرو العبيدَ الحق بالتشكي على أسيادهم في المحكمة, وباتَ ممكناً أن يحاكم السيد بتهمة القتل, في حال أقدم على إنهاء حياة عبده. إلا أنه, على غرار اليونايين, ترافق تداعي العبودية مع سقوط الإمبراطورية الرومانية.

وقد رسمت ممارسة العبودية في الحقبة ما قبل الإسلامية عند العرب الملامح الأولى لتجارة العبيد على صعيد دولي, إذ سُخِرَت مصادر العبيد الهائلة آنذاك, من أسرى, وأشخاص نبذوا عند الولادة, أو تم بيعهم من قبل عائلاتهم, بهدف الاتجار بها, على نحو مربحٍ لكنْ مأساوي.

وبرغم ذلك, جاء انتشار الإسلام, حوالي عام 610 للميلاد,ليخضع أسس العبودية لتحولات جوهرية, علماً بأن الرسول محمد (ص) لم يهدف لإلغاء العبودية بشكل مباشر, لأنها كانت متجذرةً في أعماق المجتمع, واتجه بدلاً من ذلك إلى العمل على تهذيب أخلاق قومه, وحسر الأسس التي تدفعهم لتملك العبيد, بهدف تقليل ممارسة هذا الأمر عامةً. وخلال وقته, تراجع معدل حدوث الحروب والغزوات, مما قطع أحد أهم مصادر العبيد. وبالإضافة إلى ذلك, شجع الإسلام السادة على إعتاق عبيدهم كوسيلة لتكفير الذنوب.

وعلى الرغم من كل هذا, وبعد قرون من بزوغ الإسلام, شهد القرنان الثامن والتاسع بعد الميلاد, عودة تجارة العبيد العربية إلى وقعها الأول.


ولما عُدّ الأفارقة المصدر الأكثر إدرارً للأرباحفي تجارة العبيد, غدت الضواحي الإفريقية المصدر الرئيسي الذي اعتمد في تجارة العبيد العربية, ومع تطور الإمبراطورية العربية اقتصادياً, تصاعد الطلب على العبيد على نحوٍ غير مسبوق.




أما الأوربيون, الذين تبنوا بدورهم ممارسة الاستعباد, بدأوا بأخذ إمكانية الاتجار بعين الاعتبار ومن ثمّ اللحاق بركبه.


وقد كانت رغبتهم بخلق شبكة تجارة بديلة تحلُّ محلَّ تلك التي يتحكم بها العرب, بالإضافة إلى سعيهم المُلِّح للانتفاع من موارد ’العالم الجديد‘ (والذي أصبح أمريكا في عصرنا), مبعثاً لنشوء طريق التجارة عبر المحيط الأطلسي.


وفي بدايات القرن السادس عشر, أقدم التجار البرتغاليون على أسر الأفارقة بغرض الاتجار بهم كعبيد. إلا أنّ خوفهم من الأمراض الإفريقية والهجمات المضادة في المنطقة, جعلت من حقيقة عدم نجاح تجارتهم إلا بمساعدة الأفارقة أنفسهم أمراً واضحاً.


وقد اتجهت القوات الأوروبية المتطورة لاحقاً إلى مبادلة المواد الخام بالعبيد الذين كانوا غالباً من المجرمين أو أسرى الحرب. وبتنامي الطلب من قبل الأوروبيين, تعرضت قرى إفريقية كاملة لغارات من قبل جيرانهم الإفارقة كذلك, لتكون محصلة ذلك استعباد سكان القرى ومن ثمّ بيعهم.


وبذلك لم يعد الاستعباد من تبعات الغارات؛ بل أصبح السبب الكامن وراءها.


وكانت طبيعة العمل المطلوب في الأمريكتين شاقةً, وبذلك بات الرجال الأفارقة الهدف الأساسي, أما النساء والأطفال فتم تركهم والتخلي عنهم. وقد ترتب على ذلك انحدار مسيرة التطور في القارة الإفريقية, وترافق ذلك مع اعتقادٍ بأن تعداد السكان قد تعرض لحالة من الجمود, وحتى النقصان.


تم الاتجار بملايين الأفارقة في نواحي العالم كله, وخصوصاً في الأمريكتين. إذ تلقت كل من البرازيل والكاريبي40% من العبيد لكل منهما, في حين تلقت أمريكا المعاصرة 5%. ونظراً للظروف القاسية التي عانى منها العبيد في البرازيل, تراوح معدل أعمارهم المتوقع على نحو محزن عند 23 عاماً. أما في أمريكا, وبرغم كون المعاملة التي تعرض لها العبيد غير إنسانية, تمكنوا من العيش لفترات أطول, حتى إنه أتاح لهم, تشكيل عائلات وإنجاب أطفال كُتب عليهم أن يصبحوا عبيداً أيضاً.


ولربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلت من مشكلة العبودية في أمريكا مشكلةً أكبر, امتدت على فترة زمنية أطول مقارنةً مع باقي المنطقة. وإن المواظبة على هذه العقلية الوحشية عبر العقود أشعلت الحرب الأمريكية الأهلية بالإضافة إلى الفرقة التي يشهدها المجتمع الأمريكي اليوم.


والآن, نأملُ أن تلعب الاحتجاجات في الولايات المتحدة دورَ النذير الذي يؤكدّ أنّ العنصرية ليست, ولنْ تكونَ أبداً, سلوكاً مقبولاً, والعنصرية نتاجٌ ثانوي لنظامٍ جرد الجنس البشري من إنسانيته, وبتنا الآن نتطلع قدماً لانهياره بتأثير ردة الفعل التي تأخرت و التي أبداها الناس على هذا الواقع الذي لا يطاق.