• Arwa Hanin Elrayess

ماذا عن القادم؟ تبعات تسهيل أو تمديد الاغلاق




ترجمة براء أبو عمشة

مع وقوفِ الاقتصادِ العالمي على المحك, ووصول معدلات البطالة إلى مستوياتٍ صاعقةٍ, هددت أرزاق الملايين من الناس, حذرَ الخبراء من أن الاستمرار في تطبيق الإغلاق التام سيكون له تبعاتٌ وشيكةٌ تهدد العالم بأضرارٍ لا يمكن ردها. وعلى الرغم من ذلك, لا زال بعض العلماء يحذرون من تخفيف القيود الاجتماعية المفروضة, زعماً منهم بأنها كانت سبباً في الحد من أضرار كوفيد-19, ومن ثمّ سيؤدي التحلل من هذه القيود إلى تركنا في موقف ضعفٍ أمام تفشٍ مستعرٍ لموجة جديدة, يكون استعدادنا لمواجهتها محطّ شكٍ. وفي نهاية المطاف, وبغض النظرعما ستؤول إليه الأمور, سواءٌ تم تخفيف القيود أو الاستمرار بتطبيقها, باتَ واضحاً أنّ وقوع كارثةٍ إما على الصعيد الصحي أو الاقتصادي أمرٌ لا مفرَّ منه. ولذلك أنوي في هذه المقالة أن أحدد العواقب التي يرجّح حدوثها في حال عاد العالم إلى حاله قبل الإغلاق, وكيف يمكن مقارنة هذه العواقب بتبعات حدوث إغلاق مطول, بهدف الوصول إلى صورة تقريبية نفهم من خلالها المسار الذي ستتخذه الأشهر المقبلة وما تخفيه من احداث.


عواقب إنهاء حالة الإغلاق:

مهما أحسنّا الحفاظ على معايير التباعد الاجتماعيبعد تخفيف الإغلاق, سيبقى مجيء موجةٍ ثانيةٍ من العدوى بفيروس كورونا أمراً متوقعاً. وقد كانت بعض الأمم التي تعرضت لتفشي العدوى فيها على نطاقٍ واسع, كالصين, وجنوب كوريا, والمانيا سبّاقةً إلى التحذير من ’موجة ثانية‘ تلوح في أفق مناطقها, بعد عدة أسابيع فقط من تخفيف القيود المطبقة. سيعيش العالم, حتى تطوير لقاح, في ظلِّ واقعٍ قاسٍ فرضته هذه الجائحة, يحتم على الدول الدخول في حلقات مفرغة من تخفيف القيود بهدف إنعاش الاقتصاد وتشديدها مرةً أخرى بمجرد ارتفاع معدلات العدوى. وعلى الرغم من ذلك, يتوقع العلماء أنّ موجاتِ التفشي في المستقبل لن تكون مؤذيةً كالموجة التي عشناها مؤخراً. وبرغم كون معرفتنا بكوفيد-19 محدودةً جداً, استطعنا تحديد بعض الممارسات التي تؤخر الانتشار السريع للعدوى, بل وتمنعه. وقد شهدت الشهور المنصرمة تباعداً اجتماعياً صارماً, غيّر دون شك سلوكنا بين الناس على سبيل المثال, إذ غدونا الآن نفهم أهمية تجنب الأماكن المكتظة, بالإضافة إلى كيفية حماية أنفسنا عند التواجد في محيطٍ محفوفٍ بخطرِ العدوى. إن هذا, مترافقاً مع حقيقة أن العديد من الأماكن ستواظب على تطبيق القيود, حتى بعد إنهاء حالة الإغلاق, سيكون له أثرٌ أكيد على تأخير حدوث فورة مستقبلية في عدد الحالات المصابة. بالإضافة إلى ذلك, لم يعد علاج كوفيد-19 مغيباً عنا كما كان سابقاً, إذ إنه وبرغم وقوع موضوع اللقاح في موضع جدل بين العلماء, استطعنا بحلول أشهر اكتشاف أن مجموعاتٍ محددة من الأدوية على تخفيف الأعراض الناتجة عن الفيروس. وقد ظهر أنّ مميعات الدم, والمضادات الحيوية, والكورتيكوستيروئيدات ومثالها الديكساميثازون قادرةٌ على التخفيف من وطأة الأخماج, وفي معظم الحالات ستسهم في تسريع عملية تعافي المرضى

ومن ثمّ, في حال تصاعد موجةٍ جديدةٍ من الفيروس, لن تقع أنظمة الرعاية الصحية والعاملون فيها تحت الدرجة نفسها من الضغط كما هو في السابق, مما سيقلل عدد الوفيات على نحوٍ ملحوظ من جهة, ويسرع من تعافي الاقتصاد من جهة أخرى.

وقد كان موضوع اللقاحات بمثابة شرارةٍ أشعلت الجدال في العديد من المجتمعات, حول ما إذا كان اكتشاف لقاح مناسب سيقضي فعلاً على تهديد فيروس كورونا.


وقد نشأ هذا الشك من أنّ سارس-كوف-2 هو فيروس ذو مادة وراثية من الرنا, الأمر الذي يعني أنه عرضة للطفرات, وإنّ حدوث الطفرات بوتيرة سريعة سيرجح وقوع تغيرات ملحوظة على الفيروس نفسه, ومن المحتمل أن تعدل هذه التغيرات الطريقةَ التي يرتبط بها الفيروس بأجسامنا, وهذا ما سيؤدي إلى تجريد أي لقاح نطوره من فائدته. وبرغم هذه الشكوك فقد أُثبِتَ, لحسن الحظ, أنّ كوفيد 19 مميز بين نظائره من فيروسات الرنا, إذْ أظهرت دراسات عديدةٌ أنّ طفرات فيروس كورونا أقل شيوعاً من طفرات فيروسات الرنا الأخرى بحوالي النصف, الأمرُ الذي قادَ العلماء للاعتقاد بأنّ اللقاح إن استهدف السلاسة الأصلية, فلن يفقد نفعه حتى بتعرض الفيروس لعددٍ قليل من الطفرات.


تبعات الإغلاق المطول:

إنّ الإبقاء على حالة الإغلاق, والمواظبة على فرض القيود, سيجعل من مجيء موجة ثانية أمراً مستبعداً, إلا أن ذلك في الوقت نفسه سيؤدي إلى تحريك تيارٍ من الكوارث الكفيلة بتدمير حياة الكثيرين, وقد يستغرق التعافي من بعضها سنواتٍ طويلة. إنّ الولايات المتحدة في حالة إغلاقٍ منذ حوالي الثلاثة أشهر, وقد ارتفعت معدلات البطالة في هذه الفترة, لتتجاوز في النهاية المعدلات التي ترافقت مع كساد 2008-2009.

والحقيقة هي أنّ هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها التاريخ على انهيار أسعار النفط الأمريكي إلى ما دون الصفر. علماً بأنّ الولايات المتحدة ليست الوحيدة التي تعاني. وقد انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3% حتى الآن, وبأسوأ الحالات, يحتمل أن يتدهور بنسبة 8% بحلول عام 2021. وهناك دولٌ في منطقة اليورو, ومثالها إيطاليا وفرنسا, وصلت تقريباً إلى هذا الدرك من الانهيار, وفي حال استمرت حالة الإغلاق فلن تستطيع هذه البلدان أن تتعافى قبل عام 2023. أما الصين والهند, فهما من ضمن الأمم القليلة المتوقع لها أن تنمو اقتصادياً في عام 2020, إلا أنّ الحد الأدنى من هذا النمو المتوقع لن يكونَ كافياً لحمايتها من أذى الصدمة الناتجة عن انهيار أسعار النفط. وبخصوص حرب النفط الحالية بين روسيا والسعودية, والتي بإمكانك أن تطلع على لمحة مبسطة منها هنا, فقد أدت إلى تفاقم حالة الانهيار التي شهدتها أسعار النقط, إذ وصلت لحد هو الأدنى منذ 21 عاماً. سيؤدي هذا عملياً إلى القضاء على اقتصاد العديد من البلدان المصدرة للنفط, وخصوصاً تلك التي تعتمد على تصديره اعتماداً أساسياً, ومثالها معظم البلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. علاوةً على ذلك, سيؤدي الإغلاق المطول إلى توسيع الفجوة الاقتصادية التي تعاني منها المجتمعات الدنيا. في حين ما زال العديد منا يتقاضى راتبه وهو في المنزل, هناك الكثيرون ممن باتوا عاجزين عن القيام بأعمالهم الخدمية, ويعيشون اليوم على المساعدات المحدودة التي تقدمها الحكومة. وكلما طال الإغلاق, ستتراجع قدرة الحكومات على تقديم الدعم لهذه المجتمعات المكافحة, ومع ارتفاع الطلب على الخدمات التي يقدمها هؤلاء الناس, ستعمل الشركات على تسخير التكنولوجيا بهدف الحفاظ على أعمالها, فمن الممكن أن تعود العديد للشركات إلى الاعتماد على الوظائف التي لا تحتاج العامل البشري, حتى بعد رفع حالة الإغلاق.

وسينتج عن ذلك زيادة عمق الفجوة المبنية على العنصرية والثروة عشرات المرات, أما معدلات الفقر فسوف تحلق عالياً. وبالنسبة للأجيال اليافعة, فسوف تكون مؤسساتنا التعليمية من ضمن المؤسسات التي أثرعليها امتداد الإغلاق سلباً. فعلى الرغم من أنّ مدارسنا قد عملت على توفير التعليم عبر الإنترنت بصورته الأكثر فعالية, إلا أنّ ذلك ببساطةٍ لا يمكن أن يقارن بالتواجد الفعلي في الغرفة الصفية. فالقدرة على التركيز والاستيعاب في المنزل ليست بالجدوى نفسها إذا ما قرونت بتلك التي يحفزها حضور المدرس, وهذا ما يطرح العديد من التساؤلات: هل من المتوقع أن يتقدم طلاب هذا الجيل باختبارات من المحتمل أنهم غير مستعدين لها؟ هل سيتوجب علينا أن نمدد الأيام الدراسية بعد إنهاء حالة الإغلاق للتعويض عن تأخر مسيرتنا التعليمية؟ بصراحة, أعتقد أنّ السبيل الوحيد الذي تستطيع من خلاله أنظمتنا التعليمية تجاوز هذه الجائحة هو إجراء عمليات إعادة هيكلة واسعة النطاق للمؤسسات, تجعلها قادرةً على التعامل مع الحالات غير المتوقعة.


وإلى حينها, علينا أن نتذكر أنّ مصيرنا مِلكُ يدينا بدرجة كبيرة, فالطريقة التي سنتعامل بها مع الشهور القادمة, والتزامنا بتعلميات التباعد الاجتماعي, أمورٌ تلعب دوراً حاسماً في تحديد الموعد الذي سيلزم عنده تطبيقُ مرحلة أخرى من الإغلاق. وعلى الرغم من أنّ تخفيف القيود حالياً قد يقودنا إلى الاعتقاد بأن فيروس كورونا لم يعد تهديداً, علينا أن نتذكر أنّ تبني الأوهام لن يقودنا إلا لنكسات أكبر.

0 views