• Arwa Hanin Elrayess

معركة تكسير العظام بين الولايات المتحدة والصين: الدوافع والنتائج

Updated: Jul 31



ترجمة براء أبو عمشة



من النادر أن وجدت مرحلة من التاريخ كانت فيها الصين والولايات المتحدة على علاقة ودّية.

عبر العقود، بقيت الدولتان في حالة من الحرب المتسمة بالعدائية السلبية، وبدلاً من الجنود والآليات فإن الأسلحة المختارة فيها هي العقوبات الاقتصادية، والاتهامات الخطرة التي لا دليل عليها، والاختلافات السياسية غير الضرورية.

وفي حين تأمل الكثيرون بأن القطبين الاقتصاديين الأقوى في العالم سيتناسيان تاريخهما المضطرب ويتوجهان للتغلب على التهديد المشترك الذي فرضه فايروس كورونا على كل منهما؛ إلا أن العكس هو ما حدث على أرض الواقع.

وصل التوتر بين الولايات المتحدة والصين ذروته مع اتهام الرئيس ترمب الصين بانتهاك حقوق الإنسان، والسماح بانتشار الفيروس، وسرقة الأسرار التجارية، وأخيراً: استخدام التطبيقات الإلكترونية (مثل: تيك توك) للتجسس على السكان.

وبصراحة، إن آخر ما نحتاجه في مخططاتنا لعام 2020 هو احتمال اندلاع حرب باردة أخرى، إلا أنّ اتهامات ترمب أخطر من أن تتجاهلها.

وهكذا يبقى السؤال الأخطر: هل تستحق اتهامات ترمب الاهتمام العالمي، أم أنها ــ ببساطة ــ لا تعدو أن تكون تضليلاً يستعمله للتغطية على فشله الكارثي في التصدي للجائحة؟

وقبل أن نحقق في الاتهامات التي أطلقها البيت الأبيض يجب أن نضع في اعتبارنا أنه من المحتمل أن تكون مبالغاً فيها، وربما تكون ملفقة، نظراً للتنافسية الشديدة التي تتسم بها الولايات المتحدة، وتحيزها غير المقبول ضد الصين.

لذلك، ولنتمكن من الحصول على رؤية أكثر موضوعية حول هذه المسألة؛ دعونا نلق نظرة مختصرة على العلاقات بين الولايات المتحدة والصين لنعرف ما الأحداث التي يمكن أن تكون وراء التوتر الحالي.



من المرجّح أن جذورالجفوة بين الدولتين تعود إلى نهايات الحرب الأهلية الصينية، عندما كانت الحكومة الصينية المدعومة بقوة من الولايات المتحدة تقاتل الحزب الشيوعي.

فعلى الرغم من الدعم الأمريكي خرج الحزب الشيوعي منتصراً عام 1949، الأمر الذي أدى إلى خسارة الولايات المتحدة كل نفوذ لها في المنطقة، وانتقاماً لذلك، قطعت معظم علاقاتها مع الصين، ورفضت الاعتراف بحكومتهم الجديدة مدة ثلاثين عاماً بعد ذلك.

التوتر الأساسي التالي بين الدولتين حصل بعد مذبحة تيانانمن عام 1989.

ومع أن ما تمّ التأكد منه حول تلك الواقعة قليل، فمن المعتقد أن المئات من المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية قد قُتلوا على يد الجيش الصيني، الأمر الذي أثار غضباً عالمياً واسعاً، وانتقادات للحكومة الشيوعية الصينية، خاصة من جانب الولايات المتحدة التي فرضت على الصين عقوبات اقتصادية، وجمدت كل مبيعاتها العسكرية لبكين.

ومن ذلك الحين مازالت العلاقات الأمريكية الصينية أشبه بقطار أفعواني متقلبة وغير مستقرة.

ومع كل ما سلف، فإن توترات الماضي لا تكاد تُذكر مقارنة بما يحدث في الحاضر.


فقد شهدت فترة ترمب الرئاسية انعطافاً حاداً نحو الأسوأ في العلاقات الأمريكية الصينية، إذ تبادلت الدولتان فرض ضرائب بمليارات الدولارات إحداهما على الأخرى، مؤججتين بذلك حرباً تجارية واسعة النطاق، تستمر في التصاعد.

وليست التجارة ــ مع ذلك ــ المظهر الوحيد الذي يتجه نحو الأسوأ في العلاقات بين البلدين.

ففي عام 2018 اتهمت إدارة ترمب الحكومة الصينية بانتهاك حقوق الإنسان في منطقة شينغ يانغ الصينية، حيث سُجن ما يصل إلى مليون من مسلمي الإيغور والأقليات العرقية الأخرى في مرافق إعادة التأهيل.

وعلى الرغم من أن ردة فعل الولايات المتحدة على هذه الأحداث كانت في حينها مخيبة للآمال فمن الظاهر الآن أنها تصعد من ردة فعلها تجاهها.

ففي أكتوبر من العام الفائت فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تأشيرات دخول أعضاء من الحكومة الصينية إليها، وأعقب ذلك تصريح من البيت الأبيض يحذر جميع الشركات الأمريكية من الاشتراك في أي أعمال صينية من الممكن أن يكون لها صلة بانتهاكات حقوق الإنسان، واضعة عشرات من المنظمات الصينية في القائمة السوداء.

وردّاً على ذلك؛ حثّ متحدّث باسم الوزارة الصينية الولايات المتحدة على الكف فوراً عن الإدلاء بتصريحات غير مسؤولة حول قضية شينغ يانغ، والتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية الصينية.

وجاء مصدر الاحتكاك التالي بين الدولتين عبر التدخل المباشر للولايات المتحدة في السياسة الصينية.

وقّع ترمب في نوفمبر من العام الفائت مشروع قرار يدعم المحتجين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ، المطالبين الحكومة المركزية الصينية بحريات أوسع.

أعطى هذا القرار الحكومة الأمريكية السلطة لمعاقبة أيٍّ من الأفراد الصينيين المسؤولين عن انتهاك حقوق الإنسان في هونغ كونغ، حتى إنه من الممكن وفقاً له فرض عقوبات على البنوك التي تتعامل مع موظفين حكوميين صينيين معيّنين.

ولسنا ــ مع كل ما تقدّم ــ بقريبين من نهاية الصراع.

بعد مزاعم انتهاك حقوق الإنسان في كل من هونغ كونغ وشينغ يانغ امتدّ الصراع الأمريكي الصيني متجاوزاً السياسة ليصل إلى التقدّم التكنولوجي.

شجعت الولايات المتحدة ــ قبل بضعة أشهر فقط ــ كلاً من المملكة المتحدة، ونيوزلاندا، وأستراليا على عدم السماح للجيل الخامس من تكنولوجيا الاتصالات (5G kits) في بلدانهم، مدعية أن السماح لعمالقة التكنولوجيا الصينيين ــ مثل هواوي ــ بأن يصبحوا مركز الابتكار في هذا المجال يشكل مخاطر أمنية حقيقية.

وتنبع هذه المخاطر إلى درجة كبيرة من قانون الإنترنت الصيني، الذي أُقرّ عام 2017، والذي يفرض على الشركات التي تتخذ من الصين مقراً لها ــ بما فيها هواوي ــ أن تخزن بيانات مختارة في البلاد، وأن تتعاون مع العمليات الاستخباراتية الحكومية إذا طُلب منها ذلك.

وأدى ذلك إلى خوف الكثيرين من إمكانية وصول الحكومة الشيوعية إلى بيانات المستخدمين الخاصة، الأمر الذي قد يعرض أسرار العمل والمعلومات الحساسة للخطر.

و هنا ظهرت مشكلة (تيك توك).

يعد (تيك توك) المملوك لشركة (بايت دانس) ــ ومقرّها الصين ــ أحد التطبيقات الخاضعة لقانون الإنترنت الصيني، وقد كان منذ مدة طويلة هدفاً لكثير من الاتهامات الصادمة.

نتيجة لأصوله الصينية اتُّهم هذا التطبيق مراراً بجمع بيانات المستخدمين وإرسالها إلى الصين، وقد وجدت صحيفة نيويورك تايمز أدلة على ذلك.

ولم يكن من المفاجئ أن يؤدي ذلك إلى تساؤل كثير من الناس عما إذا كان من الممكن استخدام مقاطع الفيديو والمعلومات التي يخزنونها على الموقع لتحديدهم أو تعريفهم أو حتى تتبعّهم، وقد نتج عن ذلك أيضاً تهديد الولايات المتحدة بحظر التطبيق.

وقد نفت الشركة كل هذه الاتهامات، مدعية أنها لم تقم أبداً بتمرير بيانات المستخدمين إلى أحد، ولن تفعل ذلك أبداً، حتى إن طُلب منها ذلك.

وبالمضيّ قدماً في هذا الموضوع، نجد أن المصدر التالي للصراع بين البلدين جاء في غمرة الأيام الأولى لانتشار فيروس كورونا.

فبالإضافة إلى إشارته إلى سارس كوفيد ـ 2 على أنه (الفيروس الصيني) حمّل ترمب الحكومة الصينية مراراً المسؤولية عن انتشاره، متهماً إياها بإخفاء معلومات حاسمة حوله عند بداية تفشي المرض.

وأمر البيت الأبيض أيضاً المخابرات الأمريكية بالتحقيق في احتمالية أن يكون الفيروس قد خرج من مختبر في ووهان، حتى إنه قد اقترح المطالبة بتعويضات من الصين لما سببه الفيروس من ضرر اقتصادي.

بعد ذلك، وقبل بضعة أيام فقط اتهمت وزارة العدل الأمريكية الصين بدعم قراصنة إلكترونيين (هاكرز) كانوا يستهدفون مختبرات تطوّر لقاحات لفيروس (كوفيد 19) ، متهمة اثنين من المواطنين الصينيين بهذه العملية.

وأخيراً في يوم السبت، أُغلقت السفارة الصينية في هيوستن بعد أن ألقت عليها الولايات المتحدة اللوم لسرقة حقوق الملكية الفكرية، ومن المفترض أن يؤدي ذلك إلى خسارة مئات الوظائف، وهي خطوة وصفتها الصين بأنها استفزاز سياسي.


ولسوء الحظ لا تظهر إدارة ترمب أي إشارات على خفض عدوانيتها، على الرغم من الحالة غير المستقرة في العالم هذه الأيام.

وليس لنا إلا أن ننتظر لنرى هل ستكون الإدارة الأمريكية المنتخبة الجديدة مستعدة لإصلاح العلاقات مع الصين أم لا؟

أما إذا بقي ترمب في منصبه فإن فرصة نشوب حرب شاملة بين هاتين القوتين العظميين ستزداد، الأمر الذي سيؤدي إلى كارثة، ليس بالنسبة إليهما فحسب، بل للعالم بأسره أيضاَ.