• Arwa Hanin Elrayess

فهم مبسط لعقدين من الصراع الفلسطيني الاسرائلي: ٢٠٠٠-٢٠٢٠


ترجمة براء أبو عمشة


كان من المتوقع أن تؤسس اتفاقية أوسلو (1995) لحقبةٍ جديدةٍ في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. حينها, وبتشجيع من جورج بوش, قام رئيس الوزراء الإسرائيلي, إسحاق رابين, بمصافحة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك ياسر عرفات, بيدٍ مترددة, ليقبل بذلك خطةَ سلامٍ واعدةً تركت المنطقة منتشيةً بإمكانية تحقيق استقرار طال انتظاره. إلّا أنّ الحماس بدأ بالتلاشي ببطء مع ظهور تصدعات في واجهة اتفاقية أوسلو. وقد نعت رئيس الوزراء المنتخب حديثاً حينها خطة السلام هذه بأنها تهديد "معيبٌ للغاية" يمس إسرائيل, ليقوم بعدها باستئناف توسيع المستوطنات الإسرائيلية ضمن الأراضي الفلسطينية, أما الفلسطينيون أنفسهم فقد اعتبروا الصفقة بمثابة استسلام مهين. وبعدها ظلّ الصراع طيّ النسيان لعدة سنوات, قبل أنْ يقلب الإسرائيلي اليميني أرييل شارون الموازين.



وفي محاولةٍ واضحةٍ منه لاستفزاز الفلسطينيين, قام شارون مع آلاف من حرّاسه, باقتحام المسجد الأقصى وهو ثالث المواقع قداسةً في الإسلام, مردداً "إنّ الحرم القدسي قد بات في أيدينا" وهذا ما دفع الفلسطينيين بالجوار, وكلهم اندفاع وحقد, لصدّ حرس شارون, مما أدى لسقوط العديد من القتلى. وقد أدت هذه الحادثة, مترافقةً مع الإحباط الذي تنامى لدى الفلسطينيين المهملين الذين كانوا يعيشون في مناطق الحكم الذاتي, إلى إشعال فتيل الانتفاضة الثانية.

انتشر التوتر في أنحاء إسرائيل مع احتجاج الفلسطينيين على الإنكار المستمر لحقوقهم البشرية مستنكرين ’عملية السلام‘ التي تقودهم إلى اللا شيء. وعمدت العديد من المحاولات إلى تخفيف وطأة العنف المتصاعد على مرّ السنوات, مثالها قمة طابا (2001) وكذلك ’خارطة السلام‘ (2003). وعلى الرغم من ذلك, كان التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المستمر سبباً في فورة المجموعات الفلسطينية الثائرة, ومع تضارب العديد من المصالح الدولية حيال الأمر باتَ الموت مصير أي بصيص للسلام. وقد أدى العداء المتزايد الذي أبداه قطاع غزة في النهاية إلى الانسحاب التام لإسرائيل من المنطقة عام 2005, إلاّ أنّها واظبت على فرض سيطرتها على المجال الجوي, والمياه الساحلية, مع الحد من توفير العديد من الخدمات الأساسية, الأمرُ الذي أدى إلى تصنيف القطاع على أنه ’غير صالح للعيش فيه‘ من قبل العديد من المنظمات الدولية.


وبعد عدة شهور من الوفاة الغامضة لياسر عرفات (2004), تم انتخاب محمود عباس, وهو أحد مؤسسي الجناح السياسي لحركة فتح, كرئيس للسلطة الفلسطينية إلا أنّ حكمه الموجه من قبل فتح لم يدم طويلاً. عام 2006, صدمت الانتخابات الفلسطينية الرسمية الثانية المنطقةَ لأنها شهدت الفوز الساحق لتنظيم حماس العسكري على فتح المسؤولة سابقاً, الأمر الذي رفع حدة التوتر بين الجماعتين المتنافستين. وعلى الرغم من أنّ هاتين الجماعتين تدافعان عن القضية نفسها, إلا أنهما في حالة نزاع دام فترة طويلة. إنّ حماس, وهي بالأصل فرع من فروع منظمة الإخوان المسلمين, كلها يقين, بخلاف منظمة التحرير الفلسطينية وفتح, أن قيام إسرائيل أمر غير قانوني أبداً. وقد أدى انتخاب حماس إلى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة, وتعليق المساعدات المقدمة من الاتحاد الأوروبي, مع تلقي الإدانات من القوى الدولية.

ضيقت إسرائيل حصارها على قطاع غزة الواقع ضمن نفوذ حماس, وسخرت القوات البشرية المتبقية عندها للقضاء على أي تهديد فلسطيني, موجهةً وابلاً من الصورايخ في حركة حاسمة أدت عملياً إلى شلّ الاقتصاد في غزة. ومع عجز إسرائيل عن وقف الهجمات الصاروخية العابرة للحدود, عزمت في ديسمبر 2008 على تنفيذ اجتياح كامل لغزة, وعلى الرغم من زعمها أن قواتها استهدفت الأبنية المتعلقة بالإرهاب, بينت الهجمات التي نفذتها في وضح النهار على المنشآت الطبية, والمنازل, والجوامع, والمدارس زيفَ مزاعمها. ومع نهاية هذا الصراع, فقد أكثر من 1200 فلسطينياً حياتهم, بالمقارنة مع 13 قتيلاً إسرائيلياً.


إن اغتيال قائد حركة حماس العسكري في غزة عن طريق الضربات الجوية الإسرائيلية في نوفمبر 2012 كان مقدمةً لعدوان إسرائيل التالي الذي أطلق عليه اسم ’عمود السحاب‘. وأملاً منها بضرب منظمات إرهابية, أمطرت إسرائيل قطاع غزة بوابل من القصف. وبرغم زعمها أنّ دوافع العدوان كانت تقتصرعلى الناحية الأمنية, كان الهدف من العملية واضحاً يتمثل بتصريح وزير الداخلية الإسرائيلي "إعادة غزة إلى العصور الوسطى".

وعلى الرغم من التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار في المطاف الأخير, إلّا أنّ ذلك لم يسبق إحداث الضرر بالقطاع. وتراوحت معدلات البطالة عند 33%, 95% من الماء في القطاع بات غير ملائم للاستهلاك البشري, بالإضافة إلى ذلك, فقد تم اعتبار أكثر من نصف الأسر في غزة خارج نطاق الأمن الغذائي. وقد مهد تراكم الإحباط الناتج مما سبق نشوءَ "انتفاضة السكاكين" (2015-2016), التي شملت أكثر من 300 حادثة طعن نفذها الفلسطينيون. وفي المجمل, قُدر أنّ 34 إسرائيلياً قد قتلوا في هذه الانتفاضة, بينما نجم عن الهجمات الانتقامية الخارجة عن نطاق القانون قرابة 200 شهيدٍ فلسطيني.

وقد ترافق انتخاب ترامب 2016 مع تكثيف دعم أميركا لإسرائيل, إذ تم الاتفاق على حزمة دعم عسكري تقدمها الولايات المتحدة قدرت قيمتها بثمانية وثلاثين مليار دولار. في 2017, مضى ترامب قدماً في دعمه عندما اعترف علناً بالقدس كعاصمة لإسرائيل ليكسر بذلك حاجزاً حرجاً لم يجرؤ أحد على كسره من قبل. وقد أشعل قرار ترامب هذا احتجاجات في مختلف أنحاء العالم. من تونس إلى لندن, في حين اتخذت المظاهرات قرب حدود غزة منحى وحشياً متصاعداً, وذلك بسبب محاولة الحشود الغفيرة اجتياز السياج الشائك الذي يفصل غزة عن إسرائيل. وكان من الممكن رؤية الفلسطينيين وهم يرسلون طائرات ورقية مشتعلة تشق سحب الدخان لتعبر الحدود بعدها, أو يرمون زجاجات مولوتوف الحارقة, وكان رد القوات الإسرائيلية هو نيران البنادق والغاز المسيل للدموع. في يناير 2020, تم استغلال هذه الصراع, مرةً أخرى, من قبل ترامب الذي كان في خضم محاكمة عزله, وبنيامين نتنياهو, الذي كان يواجه تهماً بالفساد وتلقي الرشاوى كوسيلة تشتيت سياسي. وقد كانت محاولتهما اليائسة لتجنب التعرض للمساءلة الدولية مبعثاً ’لصفقة القرن‘, التي انتُقِدَت على الصعيد الدولي بسبب تحيزها الصارخ الذي يصب في المصلحة الإسرائيلية.

وقد رفض رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس المستند الذي يتضمن الصفقة مباشرةً, ومع كشف إسرائيل عن نيتها بالاستيلاء على المزيد من أراضي الضفة الغربية, قطع عباس كل العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل, حتى الأمنية منها. ولطالما هدد محمود عباس بالتخلي عن هذه الارتباطات, دون أن يتبع كلامه بالأفعال.

إلا أنه من الممكن أن تكون ’خطة السلام‘ التي قدمها ترامب, والتي وصفت بأنها ضربت ثلاثة عقود من السلام بعرض الحائط, هي التي أوصلت عباس إلى أن يفقد صبره